25 مايو 2010

أفصحي، أنت أيتها الجمجمة (قصيدة) - أدونيس

تحية للموت الفلسطيني
شَحْمُ هذي السّماءِ كثيفٌ، وأزرارُها
تتفكّكُ في غابةٍ مِن شظايا.
أذرعٌ يتخاصمُ فُولاذُها وَإسمنتُها،
والعناصِرُ مخبولة تتخبّطُ ـ ما هَذهِ اللغةُ المُبهمهْ!
أفصحي أنتِ، يا هذهِ الجُمجمهْ.
شاشة لقياس التوحش عندَ الملائكِ، بَعدَ
السقوطِ إلي عالَم يدبُ علي بطنِهِ.
لازوردُ السماءِ وطينُ البَشرْ
مَسرَحٌ لهباءِ الصورْ .
للغُبارِ الذي سنسميهِ ضوءا وللصورةِ الآدميّهْ
لَبستْ أنجمُ اللهِ في ليلها البَدويّ
سَراويلَ أعراسِها :
عَضَلُ الأرضِ مُستنفرٌ
والغرائزُ في نشوَةٍ كوكبية.
** ** **
نصفُ ثَورٍ ونصفُ حِصانٍ
يَرضعانِ معًا ثَدي تُفاحةٍ
ـ (ربما ذكّرت بعضَهم
بغواية حوّاء) ـ حواءُ مُذاكَ في رِحْلةٍ
لم تعدْ بعد منها. سياجٌ
قَفزَ العَصْرُ مِن فوقهِ. يتحدّثُ مع نفسهِ
مع قبائِلَ ـ كُل تُسمي
نفَسها بَيضَة. وكلّ
تَنْتَمي، كلّ يومٍ، إلي حُفرةٍ، ـ
حُفْرَة تَتَنَزّلُ فيها
جُثَثُ المارقينْ،
حُفْرةُ السّائلينْ ـ
يُخْنَقون بِصمْتٍ.
حُفْرةُ الفقراء يَسُوسُونَ أرضَ الطّغاةِ بأشْلائِهمْ.
حُفْرةُ العائِدينْ
مِن لقاءٍ يُصالِحُ بين الجِراح وسِكينها،
ويقولُ لهذي القبائلِ قسمْتُ جسمي كما شِئْتِ،
مِثْلَ الحقيقةِ في هذه الأرْضِ نِصفين:
صَوْتاً
وسَوْطاً ـ
جَسداً واحداً.
** ** **
غَسَقُ الكَوْنِ، ـ أوّلُ ما تقرأ الشمسُ منه ـ انتشرْ حول أهدابهِ
مِثلَ كُحْلٍ، وكُنْ عِطْرَ أحزانهِ.
أوّل الليلِ جُرح. ما تبقي بذارٌ
لعِبٌ جامحٌ لطفولةِ هذا الفضاءْ.
هل تريدُ الحياة انسياقا كمثل الحكايةِ؟
خذها بذرة ً واحتضِنْها
طِفلة تكتبُ الشّعر. خُذها
مِثْلَ فَجْرٍ ـ لِقاحاً
لحقولِ الهواءْ.
خاتَمُ الموت يَمْهرُ أجسادَنا
فَاقتَلعْنا
مِن أروماتِنا.
وَمُرِْ الريحَ أن تتعهّد أشلاءَنا. وهذي
أرضُنا تتعفّنُ، يا سيّد الحَرْبِ: هَا لَحْمُ أجدادِنا
وآبائِنا، وأبنائِنا
يتَفَسّخُ في مَطبخ الكونِ، والنّاسُ في شُغلٍ فاكهونُ .
قُلْ لهم: هكذا
يرفع القاتلونْ
راية القَتْلِ تَيّاههْ عاليهْ.
** ** **
مُدُنٌ، أمْ مَسارحُ للهَوْلِ والموتِ؟ ماذا؟
رأسُ جرّافَةٍ؟
صبغَت وَجْهها
صَبغت كتفيْها
صَبغت صدرَها
بِدَمٍ أحمرٍ ـ أسْودٍ. أهذي
مُدنٌ أمْ مَسارِحٌ للهَولِ والموتِ؟
زَهَرٌ يابِسٌ يقاسِمُ غاباتِنا حُزْنها،
والطرائدُ مِن كلّ نَوْعٍ
تتزاحَمُ فيها، تُرتل أوجاعَها.
هَلْ تقولُ لِفَجرِ أغانيكَ، يا شِعْرُ،
أن يَنْشُرَ الآنَ مِنْديلَهُ؟
أتُراهُ يُغطي
مَا تآكَلَ مِن جَسَدِ الأرضِ، أو ما يُمزّقُ مِنهُ؟
وبِماذا. وكيف سَيَرتقُ أعضاءَ هذا الزّمانِ،
وأيّ المياهِ ستغسلُ أدرانَهُ؟
** ** **
كلّ شيءٍ يقولُ: ودَاعاً
لِمدائنِ أيّامِنا
لدفاترِ أطفالها
لمحابرِ أقلامِهمْ
لأقلامهم
لِلأسرّةِ مَفروشة ً بأحلامهم.
مَا لِوَجْهِ الحَجرْ
بين زيتونِنا وشُطآنهِ،
يَتَغضّنُ؟ ماذا؟
كَبدُ الأبْجديةِ َمقروحَة؟
أمْ أزاميلُها
تَتَكسّرُ مَنبوذَة؟
صَوْتُ ناي بَعيدٍ
يَتَصاعَدُ مِن جُرحِنا
عَبَقا ضائِعاً في ثيابِ الشّجَرْ.
** ** **
شَهَواتي تُجَنّ،
وَمِن أين يأتي لِروحي هذا الشّقاءْ؟
وأنا مِنكُما،
أيّها العالَمانِ، وألبُس ما تَلبسانِ ـ
مَا الذي يُولمُ العقْلَ للقتْلِ في شَرْقهِ المتوسّطِ،
في القُدسِ، بين جنائن بغدادَ،
أو في دِمشقٍ وبيروتَ والقاهِرهْ؟
ما الذي يتبقى، مَا الذي يتلاشى، ما الذي
يتقطر من هذه الذاكرهْ؟
مَنْ سَيَجرُؤ في هذه اللحظةِ الغَسقيةِ،
في هذه اللحظةِ ـ المُفترَقْ،
أنْ يُجاهِرَ: كلا،
لم يكن ضَوْؤنا
غيرَ وَهْمٍ، ولسنا سِوي بَشَرٍ مِنْ وَرَقْ.
أدونيس برلين 2002
________________
* مُقتطفات من قصيدة
علي أحمد سعيد إسبر المعروف باسمه المستعار ولد عام 1930 بقرية قصابين التابعة لمدينة جبلة في . تبنى اسم (تيمناً بأسطورة أدونيس الفينيقية) منذ العام 1948. متزوج من الأديبة خالدة سعيد ولهما ابنتان: أرواد ونينار. يعتبر أدونيس أحد ألمع رواد القصيدة الحديثة و العربية. درّس في الجامعة , ونال درجة الدكتوراة في الأدب عام 1973 من جامعة القديس يوسف, وأثارت أطروحته الثابت والمتحول سجالاً طويلاً. بدءاً من عام 1955, تكررت دعوته كأستاذ زائر إلى جامعات ومراكز للبحث في و و و . تلقى عدداً من الجوائز العالمية وألقاب التكريم وتُرجمت أعماله إلى ثلاث عشرة لغة. حصل سنة 1986 على الجائزة الكبرى ببروكسل ثم جائزة الإكليل الذهبي للشعر في جمهورية مقدونيا تشرين الأول 1997. رشح عدة مرات لنيل ولكنه لم يحصل عليها حتى الآن.

أفصحي، أنت أيتها الجمجمة (قصيدة) - أدونيس