25 مايو 2010

سِجّيل 1999 (قصيدة) - أدونيس


4
لستُ جلجماش و لا يوليس.
لاذاهِبٌ و لا عائد.
ومن أين لي أن اكون نبيّاً؟
أنا الصخرةُ، و عليها يُبنى المنفى.
زمَني يُفكّرُ كالماء، و يدي تَعمل كالغبار
في أبَدٍ
تؤلّفُ ريحُه معجماً للرمل لم يكتمل بعد.
و لا قوَّة لي،
غير هذا الضّوء الذي يهبطُ عليّ من مجرّاتِه.
ان اصنعَ من السنابل كِتاباً
أضع رأسي الى جانبه.
أسعَدَني، مَرّةً،
أن أكون محراثاً
أصلُ سَكَّته بآذانِ النُّجوم،
أن أرفعَ سروالي رايةً للحلُم،
الآن،
أينَما توجّهت
أرى نفسي في المدينةِ – إيّاها،
ترتطمُ عيناي بالطّلاسم،
ترتطمُ قدَماي،
في نار تعومُ على الماء،
في ماءٍ يعومُ على النّار.
5
يالهذهِ المَدينة،
أعطتها السّماءُ يديها وقالَت:
ضعي مِنشارَكِ على وَجهِ المعنى-
في عَصْر
يحتفي بالحياةِ، مازجاً البخورَ بهباء الجُثثِ.
والكلامُ،
بعضُهُ ألفاظ كمثل أشداقٍ وَحشيّة،
وبَعضهُ قيودٌ
لا لأعناق البشر وحدهم،
بل كذلك لأعناق النُّجوم.
يالتلك المَدينةَ،
لكلّ بَيتٍ تبتكرُ راعياً نبوّياً،
ولكل حَقل تؤسّسُ قطيعاً من المَعدَن.
أثيرُ دخان و آلات،-
الوردةُ مصنع
و الطفلُ دبّوسٌ في عُروةِ الموت.
أثيرٌ يتخلّلُ أجزاءَ الكوْن
و اسمعُ من يُعلّلُ بهِ الوقت، -
باسمهِ تُنضّدُ السّماواتُ
وفقاً لفرجار آخر.
الجهاتُ،
الدّوائرُ،
الأقواسُ،
الآفاقُ،
تُنضّدُ هي كذلك على نحو آخر.
وهاهي الآرضُ، باسمِهِ، سَهمٌ
قوسُهُ المَدينة- إيّاها.
6
آهٍ، ما ذلكَ السّلاحُ الذي يلبسُ المُستقبلَ؟
و ماذلك اللون الذي يرسمُ هالة الجَنين الكوني؟
أوه، متى يَشفى ذلك المرضُ
الذي يُسمّى الوَطن؟
وهاهوَ التّاريخُ –
حاضِرٌ يدُبُّ في أكياس من الورَق،
في عرباتٍ تجُرّها عظامُ الموتى.
و أسالُكَ يا هذا العالم:
أيّ غناء
يُمكنُ أن يتصاعَدَ
من أصدافِ الشِعر،
غير نُواحِ الأثير؟
7
لستُ جلجامشَ و لا يوليس،
لكن، ماذا يفعلُ كناريٌّ
في قفص في مدينةٍ
تُسوّقُ الآلاتِ الجارحَة؟
لا أعرفُ أن اقرأ الخوذ المُنزلة,
لا أعرفُ أن أردّدَ:
سكنَ يونانُ هانئاً
في حوفِ الحوت.
لا أعرف أن أغنّي:
خرجَ الربُّ راكباً أتاناً.
قل لي إذن، ماذا أفعلُ يا جسَدي؟
ربَّما، ربَّما
تلزمُني أرضٌ
لاتعرفُ اللغةَ التي تُسمّى السّماء.
مرّة،
نمتُ بين كاحليَّ،
سرتُ في الفِتر الذي خصّني به الحظُّ،
غنيّتُ بفم الحَجَر،
سكنتُ في جناح عُصفور،
غيرَ أنني أكادُ أن أنسى –
و ماذا تضمُرين أنتِ، يا ضفائرَ حَبيبتي؟
حقّاً، الوطنُ الأمّّ أوّلُ المَنفى،
حقّاً، لا بُدّ من إيمانٍ سَمْح وواسِع،
للتصديق أن للشعر مكاناً آخرَ،
غيرَ المَنفى.
أوفيد،
لايزالُ المسرحَ واحداً، -
أين تقفُ الآن،
مع جوبيتر، أو معَ آلاهاتِ الماءِ والشّجر؟
مع الذّكورَة والأنوثة؟ أو مع الخُنوثة؟
ومالتحوّلاتُ التي تكتُبها الآن؟
جاءَ، -
قَسَماتُ التّاريخ جِراحٌ،
في كلّ جرح ينتفِخُ طَبلٌ ملائكيّ،
من أينَ لكَ هذا السَوْسنُ، أيُّها الطَبلُ؟
وكيفَ ملأتَ به الأودِية؟
جاءَ، -
من أينَ لخطواتهِ هذا الصّبر،
وهاهوَ النّهارُ يمدَ لسانه لاهِثاً،
لاهِثاً ومكسوراً،
وعلى كتفيه تنكسِرُ جرار الّليل.
جاءَ، -
الطيورُ نفسُها جراحٌ في الشَّجَر،
وثمّة عطشٌ يغور الى أبعدَ من العَظم،
ويطوي الجسَدَ طيَّ الورَق.
وكلُّ لحظةٍ
قمقمٌ تندلقُ منهُ أحشاء التاريخ.
جاءَ، -
صَدعٌ في ماسَةِ الكون.
و أنتَ أيّها الشّعر،
ألَن تُوسوس للجنون
كَي يُجدّد اكتشافَ العَقل؟.."
-- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- --
* مُقتطفات من القصيدة، " تنبّأ أيّها الأعمى" أدونيس – دار الساقي 2004 – خاص بالمسيرة

علي أحمد سعيد إسبر المعروف باسمه المستعار ولد عام 1930 بقرية قصابين التابعة لمدينة جبلة في . تبنى اسم (تيمناً بأسطورة أدونيس الفينيقية) منذ العام 1948. متزوج من الأديبة خالدة سعيد ولهما ابنتان: أرواد ونينار. يعتبر أدونيس أحد ألمع رواد القصيدة الحديثة و العربية. درّس في الجامعة , ونال درجة الدكتوراة في الأدب عام 1973 من جامعة القديس يوسف, وأثارت أطروحته الثابت والمتحول سجالاً طويلاً. بدءاً من عام 1955, تكررت دعوته كأستاذ زائر إلى جامعات ومراكز للبحث في و و و . تلقى عدداً من الجوائز العالمية وألقاب التكريم وتُرجمت أعماله إلى ثلاث عشرة لغة. حصل سنة 1986 على الجائزة الكبرى ببروكسل ثم جائزة الإكليل الذهبي للشعر في جمهورية مقدونيا تشرين الأول 1997. رشح عدة مرات لنيل ولكنه لم يحصل عليها حتى الآن.

سِجّيل 1999 (قصيدة) - أدونيس